الأبشيهي
654
المستطرف في كل فن مستظرف
وكان للمأمون جويرية من أحسن الناس وأسبقهم إلى كل نادرة فحظيت عنده فحسدها الجواري وقلن لا حسب لها فنقشت على خاتمها حسبي حسني فازداد بها المأمون عجباً فسمتها الجواري فماتت فجزع عليها المأمون جزعاً شديداً وقال : [ من السريع ] اختلست ريحانتي من يدي * أبكي عليها آخر الأبد كانت هي الأنس إذا استوحشت * نفسي من الأقرب والأبعد وروضة كان بها مرتعي * ومنهلا كان بها موردي كانت يدي كان بها قوتي * فاختلس الدهر يدي من يدي وللمتوكل في قينة : [ من الوافر ] أمازحها فتغضب ثم ترضى * فكل فعالها حسن جميل فإن غضبت فأحسن ذي دلال * وإن رضيت فليس لها عديل وحدث أبو عبد الله بن عبد البر قال : حدثني إسحاق بن إبراهيم عن الهيثم بن عدي قال : كان في المدينة رجل من بني هاشم وكان له قينتان يقال لإحداهما رشا وللأخرى جؤذر وكان بالمدينة رجل مضحك لا يكاد يغيب عن مجلس المستظرفين فأرسل الهاشمي إليه ذات يوم ليسخر به فلما أتاه قال له : أصلحك الله إنك لفي لذتك ولا لذة لي قال : وما لذتك قال : تحضر لي نبيذاً فإنه لا يطيب لي عيش إلا به فأمر الهاشمي بإحضار نبيذ وأمر أن يطرح فيه سكر العشر فلما شربه المضحك تحرك عليه بطنه فتناوم الهاشمي وغمز جاريتيه عليه فلما ضاق عليه الأمر واضطر إلى التبرز قال في نفسه : ما أظن هاتين المغنيتين إلا يمانيتين وأهل اليمن يسمون الكنف بالمراحيض فقال لهما : يا حبيبتي أين المرحاض فقالت إحداهما لصاحبتها : ما يقول سيدنا قالت يقول غنياني : [ من المتقارب ] رحضت فؤادي فخليتني * أهيم من الحب في كل وادي فاندفعتا تغنيانه : فقال في نفسه : والله ما أظنهما فهمتا عني وما أظنهما إلا مكيتين وأهل مكة يسمونها المخارج فقال يا حبيبتي أين المخرج فقالت إحداهما لصاحبتها : ما يقول سيدنا قالت يقول غنياني : [ من الطويل ] خرجت لها من بطن مكة بعدما * أقام المنادي بالعشي فأعتما